الصورة الشعرية في قصيدة سقف الليل للشاعرة العمانية عائشة السيفي بين القيمة البلاغية وانطباعات القراء

الصورة الشعرية فِي
قصيدة سقف الليل للشاعرة العمانية عائشة السيفي

بَيْنَ القيمة البلاغية
وانطباعات القراء


الدكتورة نعيمة الواجيدي


الدكتورة نعيمة الواجيدي

أثار فوز الشاعرة العمانية عائشة السيفي بلقب أمير الشعراء حملة من النقد
الساخر الَّذِي اتكأ أصحابه فِيهِ عَلَى سطرين شعريين منتزعين من سياقهما النصي، للحكم
عَلَى القصيدة كلها بالضحالة والضعف، مِمَّا ذكرني بموقف بعض النقاد القدماء اللَّذِينَ
كانوا يسقطون قصيدة مِنْ أَجْلِ بيت من الشعر
. وهذا مَا جعلني أستمع إِلَى القصيدة وأنقلها كتابة، لأتحرر من سلطة الإلقاء
الشعري وإغرائه، لما للإلقاء الجيد من قدرة عَلَى إمتاع المتلقي الَّذِي قَد ينفعل بصور
القصيدة ومعانيها، انطلاقا من إعجابه بجمالية إيقاعها
.

القصيدة من نوع شعر التفعيلة، لأنها نَظَّمَتْ عَلَى المتقارب، وَقَد ألحت الشاعرة عَلَى
قافية واحدة من نوع المترادف الَّذِي ينتهي بساكنين: ألف المد والهمزة الساكنة
. وقبل أن أتطرق إِلَى تحليل الصور الشعرية الَّتِي استهجنها
غير واحد من نقدة الشعر، أقف قليلا عَلَى عنوانها الَّذِي يعد العتبة الأُوْلَى للقصيدة، وَهُوَ
: أسئلة سقف الليل، وَهُوَ يوحي بِأَنَّ القصيدة عبارة عَنْ أسئلة
وجودية تتجاوز حدود الواقع، لَا سيما أن الأسئلة ارتبطت باستعارة سقف الليل، وبما
أن الليل مجال للحلم والتأمل، فَإِنَّ هَذِهِ الاستعارة الاتجاهية العمودية توحي بِأَنَّ
أسئلة القصيدة ستسمو، بفضل الخيال الشعري المجنح، نَحْوَ آفاق رحبة من المعاني
الشعرية الَّتِي تتسامى عَلَى الحقيقة الواقعية، وَمِنْ يتأمل صور القصيدة، يلاحظ أن الذات
الشاعرة تسمو بخيالها نَحْوَ الأَعْلَى ، ومنها
:سريري السماء /وما حاجتي للنجوم إِذَا كُنْت أقطفها بيدي وألقي بِهَا فِي الهواء….غير أننا لَا نعدم صورا تزاوج بَيْنَ السماء والأرض، وبين
الخيال والواقع، فالذات الشاعرة
/زوجة هَذَا التراب وأم الصحاري الَّتِي تنجب
الأنبياء
...

أعود إِلَى الصور الشعرية الَّتِي أثارت غضب بعض النقدة وسخريتهم اللاذعة، وَلَا سيما
صورة القط الَّذِي يطير برجلين، وكأن لفظة القط محرمة عَلَى الشعراء ومنبوذة من قاموسهم،
وَقَد نسي هَؤُلَاءِ النقدة أن من حق الشاعر أن يوظف أي لفظة من معجم اللغة، وَأَن السياق
النصي الَّذِي ترد فِيهِ هُوَ الَّذِي يحدد قيمتها ويمنحها شعريتها العميقة
.

فلننظر إِلَى هَذِهِ الصور دَاخِل المقطع النصي الَّذِي وردت فِيهِ:

وما حاجتي للحقيقة، إن كُنْت أنحتها بيديّ
كَمَا أشتهي

تارة تلو أُخْرَى

فلي من مآربها مَا أشاء

يد غضة تفرك الغيم

قط يطير برجلين

بحر،عَلَى تلة، يجلس القرفصاء

صدرت الشاعرة هَذَا المقطع بجواب الشرط الَّذِي ورد فِي صيغة استفهام بلاغي ، يفيد
النفي، أي ليس بي حاجة إِلَى الحقيقة، وهذا النفي يُوَجِّهُ المتلقي مباشرة إِلَى نقيض
الحقيقة فِي عالم الشعر، وَهُوَ الحلم والخيال، فالشاعرة ، إِذْ تستغني عَنْ الحقيقة، تعبر
عَنْ قدرتها عَلَى تشكيل حقيقتها الخَاصَّة، فالحقيقة، وَهِيَ المعنى الوجودي المجرد، قَد
أضحت مادة بَيْنَ يدي الذات الشاعرة، تنحتها وتشكلها كَمَا تشتهي، وتعبر الشاعرة عَنْ
قدرتها عَلَى التخييل وَعَلَى تطويع اللغة، مِنْ خِلَالِ تمكنها من الاستمرار فِي تشكيل هَذِهِ
الحقيقة الشعرية، وَهُوَ مَا أفاده قولها، تارة تلو أُخْرَى، ولعل هَذِهِ القدرة عَلَى تجسيد الحقيقة،
هِيَ الَّتِي جعلت الشاعرة تبئر الاستفهام البلاغي فِي صدر المقطع، لتؤكد استغناءها عَنْ
الحقيقة الواقعية
.

بَعْدَ أَنْ عبرت الشاعرة عَنْ صوغها حقيقة الخيال، تعبر عَنْ مقاصدها، إِذْ تقول، فلي من
مآربها مَا أشاء، ويفيد الاسم الموصول المقترن بمشيئة الشاعرة الرغبات المطلقة غير
المحدودة الَّتِي تستطيع الذات امتلاكها، وَفِي هَذَا السياق بالضبط، تظهر الصور
التخييلية الَّتِي كَانَت مثار استهجان بعض المتلقين لجزء مبتور من القصيدة، وَهِيَ
:

يد غضة تفرك الغيم

قط يطير برجلين

بحر عَلَى تلة يجلس القرفصاء

تنبني الاستعارة الأُوْلَى عَلَى مفارقة، فالفرك هُوَ إزالة القشر عَنْ الشيء، فاليد
الَّتِي تفرك ينبغي أن تكون خشنة، لَا غضة ناعمة، وَإِذَا كَانَ الغيم هُوَ السحاب الَّذِي يحجب
نور الشمس من شدة الدجن، فَإِنَّ يد الشاعرة الغضة تفرك الغيم عَنْ السماء فتزيله، ليسطع
النور والضياء، فِي إشارة موحية إِلَى قدرة الذات عَلَى السمو نَحْوَ الحقيقة، واليد الَّتِي
تسمو تشكل استعارة عمودية، والفعل المضارع يوحي بامتداد الزمن، وينفتح عَلَى
المستقبل
والصورة الموالية هِيَ، قط يطير برجلين، وَهِيَ
أيضًا استعارة عمودية، تَنْطَلِق من الأرض نَحْوَ السماء الَّتِي انقشع غيمها، وهذه الاستعارة
مبنية عَلَى مفارقة، فلو أن الصورة كَانَت، قط يطير بجناحين، لما حققت هَذِهِ الغرابة
الَّتِي استفزت بعض المتلقين، فطيران القط برجلين، صورة تجمع بَيْنَ الحقيقة والخيال، وتنحو
نَحْوَ المستحيل الَّذِي يمثل جزءا من الرغبات الَّتِي عبرت عَنْهَا الشاعرة، حين قررت أَنَّهَا
قادرة عَلَى تشكيل حقيقتها المشتهاة، ولعل مَا يجمع صورة القط بصورة اليد الأنثوية
الغضة، هُوَ الليونة والنعومة، فالقط ذو الفرو الناعم، ينحو منحى اليد الغضة الَّتِي
اخترقت غيم السماء، فيتجاوز حدوده الأرضية، ويخلق المستحيل والخارق للعادة، وَهُوَ
الحيوان الصغير الأليف، فيسمو برجليه طائرا نَحْوَ الأعالي، ناشدا الحقيقة
..

ترد الصورة الأخيرة عمودية أيضًا، وَهِيَ، بحر عَلَى ثلة، يجلس القرفصاء، والثلة مَا
إِرْتَفَعَ من الأرض، وتظهر المفارقة فِي هَذِهِ الصورة التخييلية، فالبحر الَّذِي لَا تنفك
أمواجه عَنْ الحركة والهيجان، يتوقف عَنْ ذَلِكَ، ويجلس القرفصاء عَلَى ثلة عالية، ليتطلع
هُوَ الآخر نَحْوَ السماء، وَفِي جلوسه القرفصاء، إيحاء بالتأمل والتفكر وَالبَحْث عَنْ
الحقيقة
وهذه الصور الَّتِي كَانَت محط السخرية
والاستهزاء، صور تخييلية، هيأت الشاعرة المتلقي لتأملها، حين صدرتها بالتعبير عَنْ
تشكيل حقيقتها الشعرية
.

وأقف أخيرا عَلَى آخر صور هَذِهِ القصيدة:

وما حاجتي، وأنا، حين منتصف الليل، تنبت
أجنحة موسيقى، وأصبح سيدة من غناء.

لَقَدْ استغنت الشاعرة عَنْ أي حقيقة واقعية، وهذا مَا يفيده حذف الجار والمجرور
الَّذِي تردد فِي القصيدة فِي سياق الاستفهام البلاغي، مِمَّا جعل جملة هَذَا الاستفهام
لازمة تتصدر الأسطر الشعرية، وتوحد بينها
. وتعيدنا عبارة، منتصف الليل، إِلَى عنوان القصيدة، أسئلة
سقف الليل، وترد الاستعارة الأخيرة عمودية أيضًا، فأجنحة الموسيقى تنبت فِي ذات
الشاعرة، وَهِيَ رمز للخيال الشعري الخلاق، وحينها تصبح هَذِهِ الذات سيدة الغناء، والغناء
إشارة إِلَى الشعر، وَفِي توظيف لفظ السيدة،انتقاء معجمي، لِأَنَّ هَذِهِ اللفظة تكتنه معاني
السيادة والتفوق، وَهُوَ تفوق شعري،تستمده الذات من قدرتها عَلَى السمو بخيالها نَحْوَ
الخارق غير المألوف
.

لَا أدعي أنني حللت القصيدة، ولكني أحببت أن أنصف الشعر من هَذِهِ الأحكام الَّتِي
تجتزئ أسطرا شعرية من سياقها، وتجعلها عرضة للسخرية، فِي بعد واضح عَنْ الموضوعية
النسبية الَّتِي ينبغي أن يتسم بِهَا محلل الشعر وناقده
. فلو أن هَؤُلَاءِ النقدة قارنوا هَذِهِ القصيدة بغيرها من
القصائد الَّتِي شارك أصحابها فِي مسابقة أمير الشعراء، وبينوا تفوق القصائد الأخرى
عَلَيْهَا، لكان نقدهم موضوعيا ومقبولا، ولما كَانَ بإمكان أحد أن يراجعهم فِي مَا توصلوا
إِلَيْهِ
.

عَنْ الموقع

ان www.men-gov.com مِنَصَّة مُسْتَقِلَّة شاملة وحديثة تواكب كل مواضيع التدريــس والتوجيه وَالتَعْلِــيم وَكَذَا اعلانات الوظائــف بالمــغرب,وَتَضَمَّنَ كذلك مجموعة من الخدمات والوسائل التعلــيمية التربويــة الَّتِي تبسط وتشرح الأشياء الَّتِي يحتاجها التلمــيذ والطــالب و الأستــاذ والمديــر والباحــث عَنْ فرص الشــغل سَوَاء كت تابعة لمؤسســات الدولة اوغير تابعة لَهَا ، وَتَجْدُرُ الاشارة إِلَى ان هَذِهِ المنصة لَا تمت باي صلة لِوِزَارَةِ التربيــة الوَطَــنِيـة والتَّكْويــن المهنــي وَالبَحْث العلمــي واي مؤسســة وطنية اخرى.
يستفيد سنويا من منصتنا أكثر من 25 مليون زائر وزائرة من جميع الفئات العمرية .
تمَّ الحرص فِي men-gov.com عَلَى 4 توابت اساسية :
ـ جودة المضامين المنشورة وصحتها فِي الموقع
ـ سلاسة تصفح الموقع والتنظيم الجيد مِنْ أَجْلِ الحصول عَلَى المعلومة دون عناء البحث
ـ التحديث المستمر للمضامين المنشورة ومواكبة جديد التطورات الَّتِي تطرأ عَلَى المنظومة التربويــة
ـ اضافة ميزات وخدمات تعلــيمية متجددة
لمدة 3 سنوات قدمنا اكثر من 50000 مقالة وازيد من 200 ألف مِلَفّ مِنْ أَجْلِ تطوير دائم لمنصتنا يتناسب وتطلعاتكم, والقادم أجمل إن شاء الله.
⇐ المنصة من برمجة وتطوير men-gov.com وصيانة DesertiGO
⇐ يمكنك متابعتنا عَلَى وسائل التواصل الاجتماعي ليصلك جديدنا: اضغط هُنَا

À propos du site

men-gov.com est une plate-forme indépendante complète et moderne qui suit le rythme de tous les sujets d’enseignement, d’orientation et d’éducation, ainsi que des offres d’emploi au Maroc, et comprend également un ensemble de services et de méthodes éducatives qui simplifient et expliquent les choses qui répondent aux besoins de l’étudiant, du professeur, du directeur et du chercheur d’emploi, privé ou public, Il est à noter que cette plateforme n’est pas reliée au ministère de l’Éducation nationale, et de la Formation professionnelle et de la Recherche scientifique, et à tout autre institution.
Chaque année, notre plateforme profite à plus de 25 millions de visiteurs de tous âges.
Sur men-gov.com, nous avons pris en charge 4 principes:
Qualité et exactitude du contenu publié sur le site
Navigation fluide du site et bonne organisation afin d’obtenir des informations sans prendre la peine de chercher
Mise à jour continue du contenu publié et se tenir au courant des nouveaux développements du système éducatif
Ajout de fonctionnalités et de services éducatifs renouvelables
Depuis 3 ans, nous avons fourni plus de 50 000 articles et plus de 00 000 fichiers pour un développement permanent de notre plateforme qui correspond à vos aspirations, et le suivant est plus beau, si Dieu le veut.
⇐ Plateforme développée par DesertiGO et maintenue par men-gov.com
⇐ Vous pouvez nous suivre sur les réseaux sociaux pour recevoir nos actualités: cliquez ici PRprsnt

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *