بلاغة السرد: مدخل تأسيسي قراءة في كتاب "نعيش لنحكي" للباحث مصطفى رجوان

بلاغة
السرد: مدخل تأسيسي

قراءة
فِي كتاب “نعيش لنحكي” للباحث مصطفى رجوان

بلاغة السرد: مدخل تأسيسي  قراءة في كتاب "نعيش لنحكي" للباحث مصطفى رجوان

عمر محضار[1]

تزخَرُ البلاغة العربية الجديدة بمجموعة من المشاريع
البلاغية الَّتِي صاغت خطّها البلاغي الخاصّ مستفيدةً من التطوّرات الحاصلة فِي هَذَا
المجال. كَمَا تزخر بمشاريع بلاغية شابّة تسعى إِلَى مواصلة المنجز البلاغي وتطويرها
وَمِنْ بينها مشروع الباحث المغربي مصطفى رجوان فِي بلاغة السّرد وكَذَلِكَ الباحث عادل
المجداوي الَّذِي قَدّم للكتاب موضوع الدراسة ويعِدُ بمنجزات علمية فِي هَذَا الصدد
.

فِي هَذَا السياق تأتي هَذِهِ الورقة مُحِاولةً الكشف عَنْ
أسس بلاغة السرد كَمَا صاغها الباحث الأستاذ مصطفى رجوان فِي مشروعه
العلمي مِنْ خِلَالِ مؤلفاته تنظيرا وتطبيقا، متخذين من
كتاب “نعيش لنحكي: بلاغة التخييل فِي كليلة ودمنة” متنا للدراسة
والتحليل كونُه يقدّم رؤية نظرية لبلاغة السّرد ويعزّزها بإنجاز قراءات فِي نصوص
سردية متنوعة.

أَمَّا بخصوص المشروع العلمي للباحث فِي مجال البلاغة
وتحليل الخطاب، فيمكن التفصيل فِيهِ وفق مسارين هُمَا:


بلاغة الأنواع: وَمِنْ ثمرات هَذَا المسار صدور مجموعة من المؤلفات وفق نوعين
أدبيين هُمَا: الشعر والسرد، فَفِي الشعر أصدر الباحث كتابين:الشعرية
وانسجام الخطاب” الَّذِي اختصّ بنقد الشّعر الحديث، وكتاب “الحجاج والشعرية
والتأويل” الَّذِي اختصّ بنقد الشّعر القديم. أَمَّا فِي السرد فقد أصدر
الباحث كتباً ومقالات تقدّم مقاربة بلاغية لمجموعة من أجناس السّرد، وَهِيَ: الخبر،
القصة القرآنية، القصة القصيرة، الحكاية المثلية.


التراث البلاغي: وفيه صدرت مجموعة من المؤلفات مِنْهَا: كتاب:الكائن
البلاغي: اللغة والعقل والاستطاعة”، وكتاب: “بلاغة السرد: الحكاية
المركّبة فِي كتاب البيان والتبيين”، اللذين قَدّم فيهما قراءة مختلفة لكتاب
“البيان والتبيين” للجاحظ، كَمَا قَدّم قراءة مختلفة لكتاب
“فنّ الشّعر” لأرسطو فِي كتاب “السّرديات البلاغية: التّأسيس
الأرسطي لبلاغة السّرد”.

ولفهم المشروع البلاغي لمصطفى رجوان فِي قراءة السّرد لَا بُدَّ مِنْ الجمع بَيْنَ ثلاثة
تصورات هِيَ: تصور أرسطو مِنْ خِلَالِ كتابه “فن الشعر”، وتصور السرديات
الأمريكية مَعَ مدرسة شيكاغو خاصة مَعَ جيمس فيلان، ثُمَّ منظور فانسون جوف. وهذه
التصورات سنقف عندها فِي المحاور الآتية.

كَيْفَ
نحلل السرد بلاغيا؟

تعاني كتب بلاغة
السرد العربيّة مجموعةً من المشاكل؛ إِذْ لَا تقدّم مبادئ واضحة لتحليل السّرد أَوْ
جهازاً مفهومياً، سوى الاتكاء عَلَى مقولات بلاغية قديمة مثل الاستعارة والحجاج
والتقابل، لكنّ الجديد الَّذِي يقدّمه رجوان، مُنْذُ كتابه المؤسس: “السرديات
البلاغية” هُوَ تَقْدِيم فلسفة واضحة للتحليل البلاغي تستمدُّ جذورَها من الأصل
الفلسفي الأرسطي فِي كتاب “فنّ الشعر” بَعْدَمَا اتكأت البلاغة العربية
الجديدة عَلَى كتاب الخطابة ذِي الاشتغال الخطابي لافتة الانتباه إِلَى قيمته الفلسفية.

بَعْدَ أَنْ بسط
المؤلِف فِي بداية الكتاب تعريفه للبلاغة بطريقة خاطب فِيهَا المتخصص وغير المتخصص،
انتقل ليعمق نظرية السرديات البلاغية مِنْ خِلَالِ الكشف عَنْ تصور فرونكوفوني جديد، أملا
فِي بسط أرضية بلاغة السرد، فاتحا إياها عَلَى تصورات غير بلاغية مِنْ خِلَالِ تصور فانسون
جوف القادم من نظرية القراءة، معتبرا إياه تصورا لَا يمكن قراءته بمعزل عَنْ كتاب
أرسطو. وانتقل الباحث إِلَى الجانب التطبيقي متسائلا فِي بدايته عَنْ كيفية تحليل
الحكاية بلاغيا، باعتبار المقاربة البلاغية مقاربة تغتني من روافد متعددة، مقدما
مقاربة بلاغية لأنواع من السرد العربي، مِنْ خِلَالِ الحكاية المثلية فِي كليلة ودمنة،
أضافة إِلَى تَقْدِيم دليل للتحليل البلاغي للقصة القصيرة.

فَضْلًاً عَنْ فتح
الباحث عيون القارئ عَلَى التواصُل، فقد ترجم النموذج البلاغي للتحليل: التخييلي
والجمالي والفكري إِلَى ثلاث مهام حددها لعمل المحلّل البلاغي، هِيَ:


الكشف
عَنْ الأساليب الَّتِي ينتهجها المؤلّف فِي سحبنا إِلَى عالمه السردي وإقناعنا بِهِ، وجعلنا
نتفاعل مَعَهُ فكريا وأخلاقيا وعاطفيا، والإجراءات الَّتِي تبقينا داخله دُونَ أَنْ يصيبنا
الملل.


الكشف
عَنْ جماليات السّرد وصناعة الحبكة ورسم الشخصيات وغيرها.


الكشف
عَنْ دلالة العمل السردي وأفكاره واستراتيجيات المؤلف فِي التَّعْلِيم، والإقناع، أَوْ خلق
مواءمة بَيْنَ التخييل والفكر
(نعيش لنحكي، ص 62).

عموماً، فَإِنَّّ المقاربة
البلاغية للسّرد لَا تتّكئ عَلَى مقولات جَاهِزَة مثل مَا تفعل البنيوية، إنّها مؤسّسة
عَلَى مجموعةٍ من المبادئ فَقَطْ، وتحلّل النصوص لَا عَلَى خُطّة مُسبقة بَلْ تصِفُ مَا
تُفرِزُه النصوص السردية من مظاهر بلاغية وسمات.

التحليل
البلاغي للسرد

شهد البحث البلاغيّ فِي السنوات
الأخيرة زخماً كَبِيرًاً من حَيْتُُ الكمّ؛ وتحوّلت الكتب البلاغية إِلَى تمارين بلاغية
مكتفية بجرد المقولات البلاغية والحجج وتصنيفها. وَهُوَ الأمر نفسُه الَّذِي طبع كُتب
السرديات البنيوية عاملةً بطريقة ميكانيكية مكتفية باستخراج مكوّنات السّرد مثل
الشّخصيات والمكان والحوار وتقنيات الزمان … لكنّ مَا يَطبَعُ كتاب الباحث مصطفى
رجوان هُوَ مرونة التحليل البلاغيّ وسعته؛ إِذْ لَمْ يُثقل ذهن القارئ بالمقولات
البلاغية المسكوكة وَلَمْ يَكُن معنيا، فِي الوقت نفسه، باستخراج مكوّنات السّرد؛ لَقَدْ
سعى إِلَى الكشف عَنْ بلاغة السّرد مِنْ خِلَالِ إعادة قراءة النّصوص السّردية وإبراز
مظاهرها البلاغية وسماتها الَّتِي تنفَرد بِهَا، وَمِنْ خِلَالَ هَذَا التحليل البلاغي عرفنا مَا
يتميّز بِهِ كلّ نصّ سرديّ بَعْدَ أَنْ كَانَ التحليل السرديّ يوحّد بَيْنَ جميع النّصوص ويضرب
هوية النصّ وخصوصيته.

لطلما خُنقت الحكاية المثلية فِي
“كليلة ودمنة” فِي المنظور التعليمي الضيّق، لكن الباحث كَانَ يُدافِع عَنْ
بلاغة الحكاية، بالمعنيين التخييلي والأدبي، قبل أن تكونَ مقنّعةً؛ معلّ لَاً هَذَا
المنحى بِأَنَّّ الحجاج لَا يُتلقّى عارياً وَلَكِن فِي سياق عالم تخييلي إنسانيّ وإن كَانَ
أليغوريّاً، وبأنّ الحكاية لَا تكونُ مقنعةً إن لَمْ تَكُن تستطيع الاستحواذ عَلَى
القارئ فِي عالمها التخييلي وغمسَهُ فِي جمالياتها الَّتِي ليسَ بالضّرورة أن تكونَ
معروفةً ومقرّرة سلفاً.

وَفِي الختام، ندعو كل الباحثين
فِي مجال النقد والبلاغة وتحليل الخطاب إِلَى الاغتراف من الكتاب وصاحبه، ذَلِكَ أن
“هَذَا الكتاب يثير القارئ المتخصص ويستهوي القارئ العام بسرديته التحليلية
والتأويلية، وَحَتَّى لَا نرفع اللثام عَنْ مناقب الكتاب كلعا ندعو القارئ بنوعيه إِلَى
اكتشاف مَا ذكرناه وغيره فِي جلسات قرائية خاصة”

(نعيش لنحكي، ص 12).

خلاصة

يحمل
كتاب “نعيش لنحكي: بلاغة التخييل فِي كليلة ودمنة” للباحث مصطفى رجوان
همّاً كتابيا وبحثيّاً، أعلن عَنْهُ مُنْذُ البداية، هُوَ الخروج بالكتب البلاغية من مأزق
الرّتابة الناتج عَنْ المباحث المكرورة، وَهُوَ الأمر نفسه الَّذِي عانتهُ كتب السرديات،
حتّى صارت البلاغة وعلم السّرد مادّتين رتيبتين فِي رحاب الثَّانَوِيَة والجامعة.

لَقَدْ حاول الباحث فِي هَذَا العمل
خلق مواءمة بَيْنَ التّأصيل العلمي الرّصين للمقاربة البلاغية للسّرد وإنتاج خطاب
نقديّ ممتع لَا يُغرِق القارئ فِي التّفاصيل البلاغية المعقّدة سَوَاءٌ فِي خطابه
البلاغي التنظيري أَوْ تحليلاته البلاغية، وَهُوَ مَا تأتى لَهُ عبر التعبير عَنْ القضايا
النظرية بأسلوب ممتع مثل تمثيله السّردي لمفهوم البلاغة بدل تكرير مجموعة من
التعريفات المسكوكة، وعبر تحليلات ممتعة للحكاية المثلية تُعِيدُ قراءتها من جديد
بعيون بلاغية حَسَبَ مَا تجودُ بِهِ النّصوص من جماليات وتأويلات غير مجهّزة سلفاً قبل
التّحليل.


[1] طالب باحث فِي البلاغة وتحليل الخطاب.

عَنْ الموقع

ان www.men-gov.com مِنَصَّة مُسْتَقِلَّة شاملة وحديثة تواكب كل مواضيع التدريــس والتوجيه وَالتَعْلِــيم وَكَذَا اعلانات الوظائــف بالمــغرب,وَتَضَمَّنَ كذلك مجموعة من الخدمات والوسائل التعلــيمية التربويــة الَّتِي تبسط وتشرح الأشياء الَّتِي يحتاجها التلمــيذ والطــالب و الأستــاذ والمديــر والباحــث عَنْ فرص الشــغل سَوَاء كت تابعة لمؤسســات الدولة اوغير تابعة لَهَا ، وَتَجْدُرُ الاشارة إِلَى ان هَذِهِ المنصة لَا تمت باي صلة لِوِزَارَةِ التربيــة الوَطَــنِيـة والتَّكْويــن المهنــي وَالبَحْث العلمــي واي مؤسســة وطنية اخرى.
يستفيد سنويا من منصتنا أكثر من 25 مليون زائر وزائرة من جميع الفئات العمرية .
تمَّ الحرص فِي men-gov.com عَلَى 4 توابت اساسية :
ـ جودة المضامين المنشورة وصحتها فِي الموقع
ـ سلاسة تصفح الموقع والتنظيم الجيد مِنْ أَجْلِ الحصول عَلَى المعلومة دون عناء البحث
ـ التحديث المستمر للمضامين المنشورة ومواكبة جديد التطورات الَّتِي تطرأ عَلَى المنظومة التربويــة
ـ اضافة ميزات وخدمات تعلــيمية متجددة
لمدة 3 سنوات قدمنا اكثر من 50000 مقالة وازيد من 200 ألف مِلَفّ مِنْ أَجْلِ تطوير دائم لمنصتنا يتناسب وتطلعاتكم, والقادم أجمل إن شاء الله.
⇐ المنصة من برمجة وتطوير men-gov.com وصيانة DesertiGO
⇐ يمكنك متابعتنا عَلَى وسائل التواصل الاجتماعي ليصلك جديدنا: اضغط هُنَا

À propos du site

men-gov.com est une plate-forme indépendante complète et moderne qui suit le rythme de tous les sujets d’enseignement, d’orientation et d’éducation, ainsi que des offres d’emploi au Maroc, et comprend également un ensemble de services et de méthodes éducatives qui simplifient et expliquent les choses qui répondent aux besoins de l’étudiant, du professeur, du directeur et du chercheur d’emploi, privé ou public, Il est à noter que cette plateforme n’est pas reliée au ministère de l’Éducation nationale, et de la Formation professionnelle et de la Recherche scientifique, et à tout autre institution.
Chaque année, notre plateforme profite à plus de 25 millions de visiteurs de tous âges.
Sur men-gov.com, nous avons pris en charge 4 principes:
Qualité et exactitude du contenu publié sur le site
Navigation fluide du site et bonne organisation afin d’obtenir des informations sans prendre la peine de chercher
Mise à jour continue du contenu publié et se tenir au courant des nouveaux développements du système éducatif
Ajout de fonctionnalités et de services éducatifs renouvelables
Depuis 3 ans, nous avons fourni plus de 50 000 articles et plus de 00 000 fichiers pour un développement permanent de notre plateforme qui correspond à vos aspirations, et le suivant est plus beau, si Dieu le veut.
⇐ Plateforme développée par DesertiGO et maintenue par men-gov.com
⇐ Vous pouvez nous suivre sur les réseaux sociaux pour recevoir nos actualités: cliquez ici PRprsnt

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *